الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

352

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

كانوا لا يخشون الإسلام ويستطيعون التعبير عن كل شئ بدون حذر . ولا حاجة إلى التخفي أو اللجوء إلى النفاق في وقوفهم بوجه الإسلام . لكن عندما استحكم الإسلام واتسع في المدينة ، وأصبح أعداؤه من الضعف بحيث يصعب عليهم التجاهر في عدائهم ، بل قد يتعذر ذلك عليهم في بعض الأحيان ، لهذا اختار أعداء الإسلام المهزومون أن يواصلوا خططهم التخريبية من خلال إظهار الإسلام وإبطان الكفر ، وانخرطوا ظاهرا في صفوف المسلمين ، بينما ظلوا محافظين على كفرهم في باطنهم . وهكذا تكون غالبا طبيعة أعداء كل ثورة ودعوة بعد إشتداد عودها وقوة ساعدها ، إذ تواجه الكثير من الأعداء وكأنهم أصدقاء . ومن هنا نستطيع أن نفهم لماذا نزلت كل تلك الآيات التي تصف المنافقين وتشرح حالهم ، في المدينة ولم تنزل في مكة . ومما يجدر الإشارة إليه أن هذه المسألة - أي مسألة النفاق - غير محصورة بعصر الرسول ، بل إن جميع المجتمعات - وخاصة الثورية منها - تكون عرضة للإصابة بهذه الظاهرة الخطيرة ، ولذلك يجب أن يدرس القرآن الكريم وما جاء فيه من تجارب وإرشادات من خلال هذه النظرة الحيوية ، لا من خلال اعتبارها مسألة تاريخية لا علاقة لها بالواقع . وبهذا يمكن استلهام الدروس والحكم لمكافحة النفاق وخطوط المنافقين في المجتمعات الإسلامية في الوقت الحاضر . كذلك لابد من معرفة صفاتهم التي ذكرها القرآن بشكل تفصيلي ، ليتم التعرف عليهم من خلالها استكناه خطوطهم ومؤامراتهم . ومما تجدر الإشارة إليه أيضا أن خطر المنافقين يفوق خطر باقي الأعداء ، لخفائهم وعدم القدرة على تشخيصهم بسهولة من جهة ، ولكونهم أعداء يعيشون في داخل الجسم الإسلامي وربما ينفذون إلى قلبه نفوذا يصعب معه فرزهم وتحديدهم من جهة أخرى .